‏إظهار الرسائل ذات التسميات طراطير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات طراطير. إظهار كافة الرسائل

التفت القاضي إلى مستشاره الجالس إلى يمينه وسأله هامسا "أترغب في استراحة قصيرة" فنفى ذلك بإشارة من رأسه. عندها أشار إلى الحاجب أنْ أدْخل المزيد من الشهود. فنظر هذا الأخير إلى ورقة كان قد مرّرها إليه المدّعي العام قبل قليل وصاح: صبيّ الكرش الكبير... فلْيدخل الشاهد صبيّ الكرش الكبير...
تردّد صوته في أرجاء القاعة التي أخذت تغصّ بالناس أكثر فأكثر. خرج من بين الحضور رجل قصير، منتفخ الأوداج، حليق الرأس، دقيق السيقان، كبير الكرش. تراه من بعيد فتخاله شجرة بلّوط حديث
ة. تحرّك متجّها إلى منصّة الشهود ماشيا الهوينا، متمايلا كأنّه الطاووس في كبريائه. تابع الحاضرون بانتباه شديد تلك الكتلة الضخمة من اللحم البشري وهي تتهادى تهادي وحيد القرن إلى أن استقرّت قبالة القاضي ومستشاريه فيما ارتفعت الهتافات وانطلق الصفير من جهات عدّة في القاعة حتى أنّ الضربات المتتالية لمطرقة القاضي وانتشار رجال الأمن العسكري هنا وهناك لم يفلحوا في إيقافها. ورغم أنّ الرجل يبدو في بداية الثلاثينات من العمر إلاّ أنّ شكله المخيف والشرر المتطاير من عينيه الواسعتين يجعلك تعتقد أنّه جنرال خمسينيّ يشرف على معتقلات الموت الستالينية منذ سنوات طويلة.
القاضي (ناظرا للشاهد): يبدو أنّ لك شعبية كبيرة بين الحضور؟
صبيّ الكرش الكبير (مبتسما وقد كشف عن أسنان يتراوح لونها ما بين الأصفر والرّمادي): إنني "الكابّو" هنا!
القاضي (متعجّبا): "الكابّو" مرّة واحدة؟!
صبيّ الكرش الكبير (وهو يشير في حركة مسرحية إلى جمهور القاعة): أرأيت كل هؤلاء؟ إنّهم مريديّ!
القاضي (بحزم): هذا الأمر عندما تكون خارج المحكمة... أمّا هنا فأنا هو ربّك وربّهم الأعلى. هل فهمت؟
صبيّ الكرش الكبير (مشيحا
بوجهه حتى يتفادى نظرات القاضي الحازمة وهو يغمغم بصوت لا يكاد يسمع): انتظر حتى ألتقيك خارجا أيّها الحثالة!
ففاجئه القاضي بالقول: ماذا قلت؟ أعد ما قلته؟
صبيّ الكرش الكبير (مرتبكا كطفل صغير): قلت نعم... نعم لقد فهمت!
القاضي (وقد بدت على سحنته علامات الضيق): إسمك وسنّك ووظيفتك؟
صبيّ الكرش الكبير (وهو يتمايل يمنة ويسرة): صبيّ الكرش الكبير، 31 سنة.
القاضي: وظيفتك؟
صبيّ الكرش الكبير (وهو يطلق صفيرا حادًّا من بين شفتيه): ...
القاضي (غاضبا): استقم في وقفتك واحترم هيئة المحكمة وإلا حبستك!
المدّعي العام (مقاطعا بينما سرت همهمات غاضبة بين الجمهور): أرجوك سيّدي القاضي. إنّه لا يقصد. فقط لم يفهم ما تريد!
القاضي (متوجها للمدّعي العام): فليكن شهود الإدّعاء أكثر استقامة وتهذيبا وإلاّ حبستكم جميعا.
المدّعي العام (متوسّلا): نعم سيدي القاضي. إنّهم محترمون جدا.
المدّعي العام (متوجّها للشاهد): إن السيد القاضي يسألك عن ماهية عملك.
صبيّ الكرش الكبير: فليقل لي "عملك" أمّا "وظيفتك" هذه فلا أفهمها!
المدّعي العام: ماهو عملك؟
صبيّ الكرش الكبير (متوجها للقاضي): أعمل "زميل" صباحا وخبير تنبير بعد الظهر وأشياء أخرى مساءً
القاضي (متسائلا): وماهي هذه الأشياء الأخرى؟
صبيّ الكرش الكبير (وهو يبتسم كاشفا عن أسنانه التي يبدو أنها لم تختبر معجون الأسنان منذ سنوات طويلة): يعني...
القاضي (مبتسما): يعني ماذا؟
صبيّ الكرش الكبير (وهو يشير إلى بطنه المنتفخة ويرفع كتفيه في خجل مصطنع): ...
القاضي (وقد اتّسعت ضحكته): يبدو أنّك تجتهد كثيرا في عبادة الرّب نيتشه!
المدّعي العام (بحماس وهو يشير بإصبعه للشاهد): سيّدي القاضي، إنّه رجل روحاني مجتهد، لا يفارق كتب إلاهنا الأعظم نيتشه ليلة واحدة. وينفّذ وصاياه العشر بحرص شديد. كما لا يتوانى على تنفيذ سنن خليله المقرّب والمحبّب فرويد باركه الرّب.
القاضي: قلْ "ونيتشه الأعظم وروحه القدس فرويد وخليلهما سارتر، لا أقول إلاّ الحق ولا شيء غير الحق".
صبيّ الكرش الكبير (مردّدا بشكل متقطّع): ونيتشه الأعظم وروحه القدس فرويد وخليلهما سارتر، لا أقول إلاّ الحق ولا شيء غير الحق.
القاضي (متوجّها للشاهد): جيّد جدا، هل بإمكانك أن تخبرنا بما لديك حول هذه القضيّة؟
صبيّ الكرش الكبير (وهو يطلق ضحكة صفراء): بكل سرور...
أشار إليه القاضي برأسه أنْ هات ما عندك، ففرك يديه ورفع هامته وتنحنح ثم قال: سيّدي القاضي، حضرات المستشارين...
سرت ضحكة مكتومة بين المستشارين فيما تعالى هتاف من أعماق القاعة "يحيا الكابّو...
يحيا الكابّو...".
صبيّ الكرش الكبير (وقد ارتسمت علامات الجديّة على محيّاه وبرقت عيناه ببريق مخيف): أيّها السّادة المكلّفون بالإدّعاء العام، أيّها السّادة والسيّدات الحضور الكرام... إنّ ظهور عصابة الماخور الخامس تمثّل تهديدا غير مسبوق لحرّيتنا ومبادئنا. وإنّني أعتقد بشدّة أنّ من يقف وراء هذا الماخور رجال يحاولون إيهامنا بأنّهم نساء. وأيّا كان الحال فإنّني لا أقدر أن أجد وصفا أبلغ وأدقّ من "عاهرات" لأصفهم به. إنني لا أرى أيّ سبب منطقي يدفعنا للتسامح أو الصمت أمام هذه المسرحيّة السمجة التي يقوم هؤلاء الحثالة بتمثيلها على أرض يربوعستان...
تتعالى صيحات وهتافات داخل القاعة "ليسقط عاهرات الماخور الخامس، ليذهبوا للجحيم"، "اقتلوهم، أعدموهم، اقطعوا رؤوسهم". بعد دقائق طويلة من الهتاف والشعارات المختلطة بصوت مطرقة القاضي، يهدأ الجمهور وتشخص الأبصار باتّجاه صاحب البطن المكوّرة.
القاضي: واصل سيّد صبيّ الكرش الكبير.
صبيّ الكرش الكبير (وقد سبق رذاذ ريقه كلماته):
ولمن لا يتذكّر الأحداث، فقد انطلقت هذه المسرحيّة السخيفة في خضمّ حملة دولة صهيونستان الشقيقة لتأديب جماعة إرهاب وغباء تهدّد أمنها وسلامة مواطنيها الأعزّاء. ومع هذه الحملة المباركة، شهدت يربوعستان حملة من نوع آخر أشرفت عليها جمعيّة غير مرخّصة تتّخذ من مدوّنة النضال ضدّ الطابور الخامس منبرا للإرهاب الفكري والدعاية الرخيصة. انطلقت هذه الحملة باتهام علم من أعلام يربوعستان الإلحاد والحداثة والفكر وواحد من أهم وأرفع وأنبل ما أنجبت دولتنا الرشيدة، الحرفوش عاشور الناجي طيّب الرّب سيرته وقدّس ذكره. لقد بدأت هذه المجموعة من "الشلايك" باتهامه بالتآمر والإنضمام لما أسموه بالطابور الخامس. وقد ذهب طابور العاهرات هذا إلى أبعد من ذلك حيث سمحن لأنفسهن أو الحقيقة سمحوا لأنفسهم، بتصنيف مجموعة من خيرة كتّابنا ومفكّرينا وفلاسفتنا تصنيفات قذرة الهدف منها الحطّ من عزيمتنا وإرهابنا. فقد صُنّفت بمعيّة الفيلسوف العظيم آزواو سومنديل أوراغ والعالم الكبير صبيّ جِينافا وغيرهم في خانة من يحاربون الغباء بالغباء. بينما صُنّف أمير الملحدين الدكتور عاشور الناجي في خانة الحمق والغباء. مثل هذه التصنيفات لا تعدو سوى قلّة حياء وثلب وتشهير لا يجب أن نسكت عليه. لذلك كنت من الأوائل الذين كوّنوا جبهة قتال لإيقاف تيار الماخور الخامس هذا. فالطريقة المثلى للتعامل مع مثل هؤلاء هي العنف فقد أثبت العلم الحديث أنّ هذه الطريقة ناجعة جدّا ونتائجها مضمونة.
عندها أسرّت الآنسة إلى صديقتيها: "يبدو أن العلم الذي أثبت هذه النظريّة هو نفسه الذي أثبت أنّ الأسماك تلد قردة وربّما خنازير أيضا!". فردّت السيدة الساخرة "يبدو أنّ علم اليرابيع شديد الغزارة!".
القاضي: مهلا ولكن هل لك أن تخبرني عمّا يجعلك متأكّدا من أنّهم رجال يختفون وراء أسماء إناث؟
صبيّ الكرش الكبير (وكرشه تهتز من شدّة الإنفعال): لا يوجد أنثى تستعمل خطابا ذكوريّا فاشيّا كالذي يستعمله طابور العهر هذا. إنّني أشعر بأنّ رائحة خطابهم تشبه رائحة كبش بالغ في مرحلة التناسل!
تنطلق ضحكات الحاضرين مجلجلة ويأخذون بالتصفيق طويلا والهتاف "حماك الإلاه نيتشه يا أروع يربوع أنجبته يربوعستان..."، "يحيا الكابّو، يحيا الزعيم".
القاضي: هل مازال لديك ما تضيفه في هذه القضية؟
صبيّ الكرش الكبير: أريد أن أوجّه خطابا للصابئين الذين لم يتوانوا في دعم ومساندة جماعة الماخور العظيم ملخّصه أنّ فعلكم هذا يُعدّ خيانة قذرة ليربوعستان لن نغفرها لكم أبدا. وإن كان بعضكم يساندهم لأنّه لا يجد أين يقضي مآربه فلكم نساؤنا وبناتنا فاختاروا منهنّ ما تشاؤون عوض أن تخونوا بلدكم هذا الذي أطعمكم لحما طريا وسقاكم خمرا معتّقة لذيذة.
وعند آخر كلمة، انطلق الهتاف وارتفع بشكل هستيريّ. فيما أخذ صبيّ الكرش الكبير يحيّي الجمهور ويبادلهم الابتسامات. وبعد برهة من الزمن استقرّ الأمر وعاد الهدوء للقاعة إلاّ من بعض الهتافات المعزولة من حين لآخر.
القاضي: هل أنهيت شهادتك؟
صبيّ الكرش الكبير (وقد انتفخت أوداجه واحمرّ وجهه من الانفعال): لقد قلت أهمّ الأشياء رغم أنّه مازال لديّ الكثير لأقوله. وليعلم طابور العاهرات العظيم أنّنا لهم بالمرصاد ولن يمرّوا سوى على جثثنا (وهو يضرب الطاولة التي أمامه بعنف).
وارتفع الصّخب والهتاف من جديد واختلط التصفيق بالصيّاح وهاج وماج الجمهور. فضرب القاضي بمطرقته على الطاولة قائلا: تُرفع الجلسة للاستراحة...

إقرأ المزيد...
كتبت هذا النص: تانيت، عبق التاريخ في الخميس، أفريل 23، 2009

القاضي (وهو يتراجع في كرسيّه وموجّها كلامه للمدّعي العام): هل مازال للإدّعاء ما يقوله؟
المدّعي العام: شكرا سيدي القاضي... إنّنا نطلب من حضرتكم بأن تأخذو الأمر بشدّة وحزم وأن تحكموا فيه بالعدل وتعيدوا للإلاه نيتشه هيبته ول
يربوعستان النيتشاوية سيادتها. والعدل هو أن تحكموا عليهم بالإعدام أمام العموم حتى يكونوا عبرة لمن يعتبر.
القاضي (مقاطعا): سننظر في هذا الأمر في حينه. هل لديك ما تضيف قبل استدعاء الشهود.
المدّعي العام: لا يا سيّدي القاضي.
القاضي (آمرا الحاجب): نادي على الشاهد الأوّل.
الحاجب (وهو يصيح بأعلى صوته): فليدخل الشاهد الأوّل... نادر الأنونيم...
يخرج من بين الجمهور شاب في الثلاثين من عمره ويتقدّم إلى منصّة الشهود. فيما تهمس السيّدة الجالسة إلى الشمال للأخريات: "أليس هذا فرفر، قطّ الكرتون؟" ف
تردّا عليها بابتسامة عريضة.
القاضي للشاهد: إسمك وسنّك ووظيفتك؟
الشاهد: نادر الأنونيم، 31 سنة، خبير في بنك نيتشه للغباء.
القاضي للشاهد: قل "ونيتشه الأعظم وروحه القدس فرويد وخليلهما سارتر، لا أقول إلاّ الحق ولا شيء غير الحق".
نادر الأنونيم الشاهد (مردّدا بشكل ميكانيكي): ونيتشه الأعظم وروحه القدس فرويد وخليلهما سارتر، لا أقول إلاّ الحق ولا شيء غير الحق.
القاضي: ماذا لديك لتقوله في هذه القضيّة؟
نادر الأنونيم: سيّدي، إنّ هؤلاء جوقة كرّست عقليّة نبذ الآخر وجعلت أجواء بلدنا مشحونة وكالت لمواطنينا الأخيار ورموز دولتنا العظيمة التهم وهاجمتهم فجعلت بعضهم -وهم كثر- يملّون الكتابة والتعبير ويغادرونها. ومثّل ظهور هذه الجوقة وتصنيفاتها العقيمة نقطة سوداء في تاريخنا.
المدّعي العام (مقاطعا بحماس): هل سمعت سيدي القاضي؟ هل سمعت؟ إنّه يقول لك أن جماعة الماخور العظيم وطابور الإرهاب الكبير دفعت مواطنينا لمغادرة
يربوعستاننا السعيدة... وإن...
القاضي (غاضبا): لا تتكلّم بدون إذن!
المدّعي العام: عفوا سيّدي القاضي.
القاضي (متوجّها للشاهد): وكيف يهاجم المتّهمون مواطني
يربوعستان؟
نادر الأنونيم: سيدي، إنهم ير
وّجون الأكاذيب. لقد هاجموا فيلسوفنا العظيم أزواو سومنديل أوراغ العظيم وقالوا عنه غبيّ. تصوّر سيدي القاضي، لقد صنّفوه من ضمن الأغبياء كما صنّفوا الكثيرين من أبناء أمّتنا الرّشيدة.
القاضي: هل لازال لديك شيء مهمّ تريد قوله؟
نادر الأنونيم: سيدي إنّهم جوقة بلا وازع أخلاقي وتركهم يسرحون في الطبيعة ليس بالأمر الآمن.
القاضي (متوجّها للمدّعي العام): هل لديك أسئلة للشاهد.
المدّعي العام: لا يا سيدي، فقد قال كل ما نريد
كم أن تعرفوه.
القاضي للشاهد: بإمكانك الانصراف.
فغادر الشاهد المنصّة وسط هتافات الجمهور "ليسقط الخونة، ليسقط الأعداء، اُشنقوهم، أعدموهم". أشار القاضي للحاجب ليدخل الشاهد التالي، فصاح بصوته الجهوري: الشاهد الثاني، مطرقة بن فأس...
تح
رّك رجل من وسط الجمهور واعتلى منصّة الشهود بينما همست السيدة الجالسة إلى الشمال لزميلاتها "أليس هذا المطرقة هو نفس مطرقة قطط عبق التاريخ؟" فردّت عليها الآنسة هامسة: "الأسلوب يبدو مختلفا ولكن في النهاية كلّها مطارق!" فأضافت السيّدة الأخرى بسخريتها المعهودة: "ولكنّها مطارق لا تتحمّل العمل إلاّ مع سندان الغباء... فسندان العقل سريعا ما يكسرها!"
القاضي للشاهد: إسمك وسنّك ومهنتك؟
الشاهد (مرتبكا): مطرقة بن فأس، 27 سنة، المهنة نبّار درجة ثالث
ة.
القاضي للشاهد: قل "ونيتشه الأعظم وروحه القدس فرويد وخليلهما سارتر، لا أقول إلاّ الحق ولا شيء غير الحق".
مطرقة بن فأس الشاهد (مردّدا بسرعة): ونيتشه الأعظم وروحه القدس فرويد وخليلهما سارتر، لا أقول إلاّ الحق ولا شيء غير الحق.
القاضي: ماذا لديك لتقوله في هذه القضيّة؟
مطرقة الشاهد (بعد أن أخذ نفسا عميقا): سيدي، لديّ الكثير لأقوله.
القاضي (وهو يتطلّع بانتباه للشاهد): حسنا، أتحفنا بما لديك.
مطرقة الشاهد (وهو يستجمع شتات أفكاره وذكرياته): سيّدي القاضي، إنّ هذه الجماعة الصابئة تذكّرني بجماع
ات صابئة أخرى في بلد ليس بالبعيد. فمنذ سنوات خلت وقبل أن تنفجر الحرب الأهلية في الجزائر، تداولت هذه الجماعات نفس الخطاب الديماغوجي غير المتماسك والذي كان شعبويا بامتياز وتمكّنت بذلك من تعبئة قطاع هائل من الرأي العام الذي كان يتحسّس طريقه وسط الضباب.
القاضي (متسائلا): وما علاقة هذا الأمر بقضية الماخور العظيم؟
مطرقة الشاهد: مثل هذا الخطاب ساهم في تمزيق بلاد بأكملها وتفجير حرب أهلية فيها. وها نحن اليوم نقف على مجموعة تعيد تكرير وإخراج نفس هذا الخطاب وفي هذا خطر ماحق على يربوعستاننا الآمنة.
تنظر السيدة الساخرة إلى رفيقاتها وتهمس: "هلاّ أعرتماني نظارات طبية فيبدو أنّ نظاراتي لم تعد تنفع؟" فتجيبها الآنسة: "لماذا؟ هل فقدت المزيد من الدرجات فجأة؟!" فتردّ عليها: "نظاراتي لم تمكّناني من التحقّق هل هذا المطرقة غبيّ فعلا أم يتغابى؟" فتتناول السيّدة الأخرى يدها وتضغط عليها برفق قائلة: "لا عليك، يبدو أن نظاراتي لم تعد تنفع أيضا!".
القاضي: هل لديك ما تضيفه؟
مطرقة الشاهد: إنني أجد خطابهم غير لائق، غير أخلاقي وإجرامي. إنه خطاب من لا يعرف عمّا يتحدّث. خطاب من لا يعرف إلى أيّ مدى هي قاتلة تلك الأفكار التي يدعو إليها. سيدي القاضي، بربّك أوقف هذه الحماقات!
وعند آخر كلمة، يعلو صوت التصفيق في أرجاء القاعة متزامنا مع هتافات هستيرية "أعدموهم كي يرضى الرّب نيتشه... إن الرّب غاضب". يعود الشاهد إلى مكانه بينما يستغلّ المدّعي العام الفرصة للتعليق.
المدّعي العام: أترى سيدي القاضي إلى أيّ مدى يرفض الوعي الثوري لجماهير يربوعستان الحرّة مثل هذا الوباء الذي يتهدّد صحّة بلدنا واستقامة منهج أمّتنا؟ هاهي ذي الجماهير تطالب بتحقيق العدالة وإعدام أفراد هذه العصابة دفاعا عن حرّيتنا ومبادئنا الكونيّة. إنها شهادة بليغة وبرهان قاطع ودليل واضح على خطورة هذه العناصر المارقة والصابئة على منهج إلاهنا نيتشه العظيم ومعلّمينا الأبرار...
القاضي (مقاطعا): هل لازال لدى الإدّعاء مزيد من الشهود؟
المدّعي العام (بحماس فيّاض): نعم يا سيدي، لازال لدينا الكثير...
الكثير من الشهود!

إقرأ المزيد...
كتبت هذا النص: تانيت، عبق التاريخ في الأربعاء، أفريل 22، 2009

الرّاوي: جموع غفيرة من العامّة في هرج ومرج في بهو واسع يطلّ على قاعات وغرف طويلة الأبواب، عالية الأسقف. على جانبي كل باب حارسين ضخمين يلبس كل منهما بزّة عسكرية ويقف كالصنم شاهرا سلاحا في نهايته خنجر كأنه سيف. فجأة يزمْهر صوت عظيم كأنّه الرّعد فتشْخص الأبصار وتُعْقد الألسن ويعمّ أرجاء المكان صمت مهيب. فإذا به رئيس الحجّاب يأمر الناس بالإصطفاف لدخول القاعات. ورئيس الحجّاب هذا رجل ضخم الجثّة، كبير الكرش، طويل الشاربين وتتّقد عيناه ببريق مخيف. تلمحه من بعيد محشوّا في بزّته العسكرية فتخاله للوهلة الأولى قرصانا شرّيرا ولكنّك سريعا ما تستدرك الأمر فالرّجل ليس مبتور اليمنى ولا يوجد ببّغاء فوق كتفه. يصطفّ كلّ منْ في المكان صفوفا مرصوصة كأنّه يوم الحساب. يبدو المشهد أسطوريّا متماهيا مع ديكور سريالي موحش. يتجوّل رئيس الحجّاب بين الصفوف وهو يداعب شاربه الطويل. وبعد دقائق تخالها ساعات، يعطي إشارة بيده فتفتح أبواب القاعات ويبدأ الناس في الدخول. تدفعني الحشود فأجد نفسي في قاعة كبيرة كأنها مسرح وماهي بالمسرح. في آخرها مصطبة كبيرة ثبّت فوقها مكتب كبير وراءه كراس تخالها قطع من عهود ملوك الفرنجة. وعلى الميمنة مصبطة تحمل هي الأخرى مكتبا صغيرا وأمّا على الجهة المقابلة، فيوجد قفص حديدي كبير. وراء المكتب الكبير في آخر القاعة، عُلّق في عرض الحائط شعار كبير لميزان مختلّ الكفّتين تقاطع فوقه سيفان وتعلوه صورة جدارية كبيرة لرجل طويل الشاربين، منفوش الشعر، غربي الملامح، لا يبدو لي غريبا عنّي ولكن عجزت ذاكرتي على تذكّره. بينما على شماله يوجد باب صغير مزخرف يطلّ على المصطبة.
بعد ترقّب طويل، يخرج من جوف الباب الصغير رجل أشيب. يتقدّم قليلا ثم يصرخ: "محكمة...". يقف كلّ الحاضرين وتتّجه الأبصار صوب الباب. بعد برهة، يخرج أربعة رجال يلبسون بزّات عسكرية تلمع نياشينها وميدالياتها ويخرج إثرهم رجل آخر يحمل دفترا في يده. يجلس أحد الرّجال الأربعة ويجلس الآخرون إثره وراء المكتب الكبير بينما يبقى العسكري الآخر واقفا. يلتفت الرجل الذي جلس أوّلا ويشير إلى الحاجب بيده فيصيح في القاعة "جلوس" فيجلس الجميع. يدخل رجال آخرون يلبسون بزّات عسكرية ويتقدّمهم رجل يضع قطعة قماش حمراء وزرقاء وبيضاء تمتدّ من كتفه الأيسر إلى جنبه الأيمن. يجلس الجميع. فأفهم أنّ الرّجل الأول هو القاضي ومعه مستشاروه وأنّ الوافدين الجدد هم المدّعي العام ومساعديه.
القاضي (مشيرا للحاجب ومتكلّما بلكنة غريبة): نادي على القضية الأولى.
الحاجب (صائحا): القضيّة عدد مائة وعشرة آلاف وسبعمائة وسبعة
عشر.
القاضي (وهو ينظر إلى ملف أمامه): تفتتح الآن الجلسة الأولى في قضية الماخور العظيم.
القاضي (ملتفتا للمدّعي العام): ليتقدّم الإدّعاء العام بمذكّرته...
يقف المدّعي العام وراء مكتبه وهو يفتح ملفا ضخما بينما يلتف القاضي إلى كاتب المحكمة، الذي لم يكن سوى الرجل الذي يحمل الدفتر وأمره بنفس اللكنة الغريبة وبنبرة حادة: دوّن... دوّن كل شيء!
تتعلّق كل الأبصار بالمدّعي العام الذي يبدو رجلا أربعينيا فارع الطول وعلى وجهه من ملامح الصرامة والشدّة ما ترتعد له الفرائص.
الم
دّعي العام (متوجّها للقاضي): سيّدي القاضي، حضرات المستشارين، إنّنا اليوم نعيش ظروفا وأحداثا من الدّقة والخطورة بمكان بحيث لا يمكن التساهل معها أبدا. سيّدي القاضي، إن دولتنا الإفتراضيه وشعبنا العظيم، شعب الكروم والفروج، يواجه خطرا، لا بل أخطارا محدقة به من كلّ جانب وبمكاسبه الحداثية التي منّ بها علينا سيدنا نيتشه (ويرفع يده مشيرا إلى الصورة الجداريّة العملاقة خلف القاضي). إن زمرة من المفسدين والمخرّبين والإرهابيين والسفلة والحثالة البشرية يهدّدون أمن مواطني يربوعستاننا العظيمة وأهلها الميامين، أهل الأفكار النيّرة والقيم التقدميّة والفلسفة الحداثيّة السابقة لعصرها في محيطنا الإقليمي والدولي. إنّ الحرّية التي منّ بها علينا إلاهنا نيتشه وشرّعها لنا رسوله فرويد وقنّنها لنا حواريّه سارتر تواجه خطرا محدقا يمثّله شرذمة من الحاقدين، أعداء الوطن الإفتراضي الذي نعيش فيه. إنّهم يهدّدون أمن ومستقبل يربوعستاننا العزيزة ويتآمرون علينا وعلى بلدنا المتقدّم والحديث. إنهّم ...
القاضي (مقاطعا وقد بدا عليه الملل): ادخل في جوهر الموضوع.
المدّعي العام (محتجّا): ولكنّه جوهر الموضوع يا سيّدي القاضي. إنّ مكاسبنا وحرّيتنا ومستقبلنا أصبحت رهنا بيد زمرة من المارقين على أمّتنا اليربوعستانية الممتدّة من حمقستان في أقصى الشمال إلى غبائستان في أقصى الجنوب ومن بيرّاستان في أقصى الغرب إلى مؤخّر
تستان في أقصى الشرق. إنّهم مجموعة من الخارجين عن القانون الصابئين على دين إلاهنا ومولانا نيتشه الأعظم ومتحدّين لسلطة العقل ونبراس المعرفة الأول والآخير الكافر بكل الأديان والشرائع والمحلّل لكل الحرّيات والفضائل في أرضنا المعطاء، أرض الشراب القراح والليالي الملاح.
القاضي (وقد ظهر عليه الضيق): اقرأ لي مذكّرة الإتهام.
المدّعي العام (وقد أخرج بعض الأوراق من بين طيّات ملفّه الضخم): بعد التحقيق والتحرّي، تمكّنت هيئة مكافحة الجريمة من اكتشاف مخطّط ومؤامرة يشرف عليه عدد غير محدّد من النساء والرّجال يستهدف أمن ومستقبل دولة
يربوعستان النيتشاوية العظيمة. ويشرف على هذا المخطط أفراد كوّنوا جمعية غير مرخص فيها إسمها "مدوّنة النضال ضدّ الطابور الخامس" وتقوم هذه الجمعية بالنشر الالكتروني غير المرخّص على شبكة يربوعستان للمعلومات وتقوم كذلك بعمليات نوعية من نوع الإرهاب الفكري والإعتداء على المواطنين ومنعهم من الكتابة والتعبير وتعمل على نشر الفكر الإقصائي الضالّ وتشجّع على الكراهية والعنف وتضرب كل مبادئنا القومية القائمة على المبادئ الثورية لإلاهنا نيتشه ورسله باركهم الرّب، وتسعى إلى المسّ بأمن قُطر يربوعستان الإلحاد والحرّية. وعليه توجّه النيابة العامة إلى عدد غير محدود من الأشخاص، يشتبه في أنّهم ثلاثة -ولكنّنا نعتقد أنّهم أكثر من ذلك-، وهم الآن بحالة فرار -وهذا ما يجعل خطرهم أشدّ وأنكى-، مايلي من التّهم حسب دستور نيتشه العظيم: أوّلا، انتحال شخصيات أنثوية وارتكاب أعمال معكّرة للصفو العام بهذه الصفات. ثانيا، تكوين جمعية غير مرخّص فيها. ثالثا، تكوين جمعية تحثّ على الكراهية والإرهاب ونبذ الآخر والإقصاء. رابعا، التجمّع غير المرخّص فيه من سلط يربوعستان الإفتراضية. خامسا، النشر الالكتروني غير المرخّص فيه ومسك وتوزيع مواد الكترونية بغرض تعكير الصفو العام. سادسا، ارتكاب أعمال إرهاب فكري والتخويف ونشر الأفكار الهدّامة وغير الأخلاقية والقاتلة وغير اللائقة. سادسا، منع مواطني يربوعستان-نيتشه من التعبير بحرّية وممارسة الفاشيّة ونصب المشانق ومحاكم التفتيش ضدّهم. سابعا، الإنتماء لحركة التخونيج العلمي المعادية ليربوعستان ومبادئها.
تتعالى أصوات من الجمهور: لتسقط الفاشية... ليسقط الأعداء... نموت نموت ويحيا نيتشه... اشنقوهم... أعدموهم... ليسقط الأعداء... نموت نموت ويحيا نيتشه...
يضرب القاضي بمطرقته الذهبيّة على الطاولة ويعمّ الهدوء من جديد. وفي هذه الأثناء، ألتفت إلى يميني حيث تجلس سيّدتان تتوسّطهما آنسة
في آخر الجمهور. لقد أثرن فضولي وانتباهي منذ البداية فقد كنّ جالسات في سكينة ودعة ويتبادلن من حين إلى آخر نظرات ذات مغزى. ولم تتمالك السيّدة الجالسة إلى اليمين نفسها فأبت إلاّ أن تطلق بسمة عريضة وهي تنظر إلى زميلاتها وتهمس بسخرية: لقد ذبحكنّ بسكين من خشب.
فرمقتها السيّدة الأخرى بنظرة جادّة وهي تهمس: لا ولكن يبدو أنّه من هواة التطبير.
تدخّلت الآنسة متسائلة: يبدو أنهم جادّون فيما يفعلون؟!
فضحكت الأولى وردّت: يحيا نيتشه.
فما كان من السيّدة الثانية إلاّ أن رمقتها بنظرة حادّة فقطعت الأولى ضحكتها وعادت تنظر إلى القوم وهم يستعدّون لاستقبال الشهود.

إقرأ المزيد...
كتبت هذا النص: تانيت، عبق التاريخ في الأحد، أفريل 19، 2009

الحرب الإفتراضية على الإسلاموفوبيا

وكالة أنباء الحرافيش


حرب الحرافيش على شهر رمضان المعظّم: حرفوش برلين الملقّب ب"الفنان" يشوّه مقالا مسروقا ليدعم ما يقول عنه أنّ "فريضة الصيام تزيد في ارتكاب الجرائم لدى المسلمين" | محبوبة غايت: الحرفوش الجنّي يعلن النصر من طرف واحد على من وصفهم بالأطراف الظلامية وأعداء الحياة | جبهة الإعتلال: إختلاق أخبار تقول بإمكانية العودة إلى نظام تعدد الزوجات في بلد الياسمين | حملة الحرافيش على الحجاب: الحرفوش الغبيّ ينشر رسالة منقولة عن أحد رموز الصف الثاني للطابور الخامس تحذّر من انتشار الحجاب على الشواطىء ويطالب بمنع ما وصفته الرسالة بزيّ البؤس والحزن والموت ورمز الفراغ والقبح والتوحّش | مواقف الحرافيش: الحرفوش الفيّاش يصدر بيانا يدين فيه من أسماهم بجماعة "عمّار الأخضر" ويطالبهم بالإعتراف ببطولاته وأمجاده في الدفاع عمّا وصفه بحرّية التعبير ويذكر أنّ هذا البيان قد لاقى صدى واسعا لدى الحرافيش وجبهة الإعتلال حيث أعلن عدد كبير منهم دعمهم لما جاء في البيان ولحرّية الفيّاش الفكرية | إعلانات متفرّقة - شراء: أعلن الحرفوش الهالك عن صدور كتاب له ودعى كل المدوّنين إلى شرائه عبر النت | إعلانات متفرّقة - كراء: أعلن حرفوش برلين عن بتّة عموميّة لكراء عقار على ملكه كان يستغلّه كمصبّ للفضلات | شؤون المرأة: أصدر الحرفوش الغبيّ بيانا موقّع من طرف جماعة غير معروفة يعلن فيه كفره وتمرّده على ما أسماه ب"دولة الذكور" | أدب الحرافيش: حرفوش التراث يصدر معلّقة بذيئة في هجاء "مدوّني البترودولار"

مدوّنتنا على الفايسبوك

زوّارنا