صادف أن استدعى زوجي صديقا له فرنسيّ الجنسيّة في أحد أيام شهر رمضان الفارط ليشاركنا طعام الإفطار. هذا الرجل باريسيّ في الثلاثين من عمره أو يزيد قليلا وكاثولكيّا أبا عن جد. ولمّا جلسنا حول المائدة، خاطبني ابني ذي السنوات الثلاث بالعربية. فسألني صديق زوجي الفرنسيّ بلطف عمّا قاله لي ابني لأنّه لم يفهمه. قلت له "لقد طلب منّي باللغة العربية بعض العصير". فردّ مستغربا: "ولماذا لا يتكلّم لغة هذا البلد؟". استفزّني سؤاله فسألته "بأي لغة تتحدّث مع أهلك في المنزل؟". فقال ببعض الحرج "الفرنسيّة...". لم أردّ عليه لكي لا أحرجه أكثر خصوصا وهو ضيفنا. لكنّني تأكدّت أنه فهم الغاية من سؤالي. تذكرت ذلك وأنا أشاهد جانبا من تصريح رئيس الوزراء الفرنسي عند زيارته لتونس مؤخرا. لقد طلب بشكل مباشر تدعيم استعمال اللغة الفرنسيّة وتعميمها حتى على التلفزيون التونسي. لقد آلمتني ضحكته الصفراء وهو يطلب ذلك خصوصا وأنا أرى الكثيرين يتهافتون على استعمال اللغة الفرنسيّة بموجب وبدون موجب في الإعلام وفي غير الإعلام. منذ سنوات خلت كان ممنوعا منعا باتا استعمال اللّغات الأجنبية في الإعلام الرّسمي وكان المنشّطون يذكّرون الضيوف بهذه القاعدة كلّما حاول أحدهم تمرير بعض العبارات الفرنسية. ولكن لا أعلم من الذي أمر بالتخلّي عن هذه القاعدة حيث أرى أنّ كل المنشّطين حتى أولائك الذين يتقنون العربية يستعملون كلمات من لغات أجنبية.
سيقول البعض أنّ تعلّم لغات الآخرين يسهّل التواصل وأنّ برامج التعليم تدرّس أصلا بلغات أجنبية كما أنّ اللغة العربية غير صالحة كلغة للعلم. كل هذه الأعذار مجتمعة كانت أو منفردة أقبح من ذنب التخلّي عن واحدة من أهمّ مقوّمات الهويّة التونسية ألا وهي اللغة العربية التي يتكلّمها التونسيون أبا عن جد (في صيغتها العاميّة) وكتب بها الشابي شعره والحدّاد مؤلّفاته وألقى بها حشّاد خطبه. لقد كانت العربية لغة العلم لما يزيد عن ألف عام. ولمّا سقطت الأندلس أمر ملك إسبانيا فرديناند بترجمة كل الكتب العربية في مكتبات غرناطة وقرطبة وغيرها إلى اللاتينية ومن ثمّ حرق الأصل. ولم يصلنا من مخطوطات الأندلس غير القليل القليل. ثم إنّ كل القوى الإستعمارية تاريخيا فرضت لغتها وعاداتها وتقاليدها ومنها فرنسا. وهاهي اليوم تريد تحقيق ذلك عبر القنوات الديبلوماسية وما خفي كان أعظم. اليوم لقد ولّى زمن الإستعمار المباشر وحلّ زمن الإستعمار غير المباشر، عبر الثقافة واللغة والعادات وغيرها. ما أراه اليوم من تقديس لثقافة الغرب بغثّها وسمينها وتهافت على طريقة حياته المادية الإستهلاكية وعلى لغته وموروثه يؤكد مقولة المفكر الجزائري مالك بن نبي في قابلية الشعوب -ومنها الشعب التونسي- للإستعمار. أقول ذلك بكل أسف وإحباط ومرارة.
إنّني من أشرس وأشدّ المدافعين على فكرة استيراد علوم الغرب وتقنياته وكل ماهو جيّد من أفكاره ومقوّمات حضارته وتطويره والاستفادة منه. لكنّني بالمقابل أكثر شراسة وشدّة ضدّ كل من يحاول إذابة هويتنا واستيراد هوية جديدة لنا. لابد من التفريق تفريقا كاملا بين التحديث من الداخل والتحديث من الخارج. هذا موضوع شائك جدا ولا تسمح تدوينة واحدة بالحديث فيه. وإن كتبت هذه التدوينة فلأنّ السيد الوزير قد استفزّني بشدّة. تجدون في التسجيل الآتي تصريح فرانسوا فيّون حيث يقول حرفيّا (ما بين الدقيقة الثانية و 53 ثانية والدقيقة الثالثة و11 ثانية) ما يلي:
سيقول البعض أنّ تعلّم لغات الآخرين يسهّل التواصل وأنّ برامج التعليم تدرّس أصلا بلغات أجنبية كما أنّ اللغة العربية غير صالحة كلغة للعلم. كل هذه الأعذار مجتمعة كانت أو منفردة أقبح من ذنب التخلّي عن واحدة من أهمّ مقوّمات الهويّة التونسية ألا وهي اللغة العربية التي يتكلّمها التونسيون أبا عن جد (في صيغتها العاميّة) وكتب بها الشابي شعره والحدّاد مؤلّفاته وألقى بها حشّاد خطبه. لقد كانت العربية لغة العلم لما يزيد عن ألف عام. ولمّا سقطت الأندلس أمر ملك إسبانيا فرديناند بترجمة كل الكتب العربية في مكتبات غرناطة وقرطبة وغيرها إلى اللاتينية ومن ثمّ حرق الأصل. ولم يصلنا من مخطوطات الأندلس غير القليل القليل. ثم إنّ كل القوى الإستعمارية تاريخيا فرضت لغتها وعاداتها وتقاليدها ومنها فرنسا. وهاهي اليوم تريد تحقيق ذلك عبر القنوات الديبلوماسية وما خفي كان أعظم. اليوم لقد ولّى زمن الإستعمار المباشر وحلّ زمن الإستعمار غير المباشر، عبر الثقافة واللغة والعادات وغيرها. ما أراه اليوم من تقديس لثقافة الغرب بغثّها وسمينها وتهافت على طريقة حياته المادية الإستهلاكية وعلى لغته وموروثه يؤكد مقولة المفكر الجزائري مالك بن نبي في قابلية الشعوب -ومنها الشعب التونسي- للإستعمار. أقول ذلك بكل أسف وإحباط ومرارة.
إنّني من أشرس وأشدّ المدافعين على فكرة استيراد علوم الغرب وتقنياته وكل ماهو جيّد من أفكاره ومقوّمات حضارته وتطويره والاستفادة منه. لكنّني بالمقابل أكثر شراسة وشدّة ضدّ كل من يحاول إذابة هويتنا واستيراد هوية جديدة لنا. لابد من التفريق تفريقا كاملا بين التحديث من الداخل والتحديث من الخارج. هذا موضوع شائك جدا ولا تسمح تدوينة واحدة بالحديث فيه. وإن كتبت هذه التدوينة فلأنّ السيد الوزير قد استفزّني بشدّة. تجدون في التسجيل الآتي تصريح فرانسوا فيّون حيث يقول حرفيّا (ما بين الدقيقة الثانية و 53 ثانية والدقيقة الثالثة و11 ثانية) ما يلي:
(...) La langue française est évidemment une des raisons principales des relations exceptionnelles entre la France et la Tunisie. Il faut donc entretenir Monsieur le Premier Ministre, cette langue française partout y compris sur les télévisions, ... sur les écrans de la télévision tunisienne.
أردت أن أسأل السيد فيّون أو أيّ مسؤول تابع للحكومة الفرنسية قد يمرّ من هنا أن يفسّر لي السبب الذي جعل جاك شيراك الرئيس الفرنسي السابق وكل وزراءه الحاضرين في اجتماع للإتحاد الأوروبي (وما أدراك ما الإتحاد الأوروبي) ينسحبون احتجاجا على استعمال أحد أفراد البعثة الفرنسيّة للإنقليزية عوض الفرنسيّة عند إلقائه لكلمته؟
سيّد فرانسوا فيّون، هل دمكم دم ودمنا ماء؟ هل لغتكم حكمة ولغتنا هراء؟ هل تاريخكم أمجاد وتاريخنا هباء؟ هل وعيكم ذكاء ووعينا غباء؟ بصدق سيّدي، هنيئا لنا التخاذل وهنيئا لكم الدّهاء!
لا ألوم ديبلوماسيّة دولة بنيت على جماجم فقراء إفريقيا وترعرعت وكبرت على مصّ دماء شعوب مستعمراتها السابقة واللاحقة فماهي إلاّ قوّة تحنّ إلى ماضيها الإستعماري القبيح. ولكن اللّوم يقع على من يطبّل ويزمّر ويسبّح بحمد ديمقراطيّة بلا أخلاق وفلسفة تنوير وعدل ومساواة لم تغادر صفحات الكتب وحضارة لم تفرض نفسها سوى بقوّة أساطيلها. والسؤال كيف السبيل إلى إصلاح بعض ممّا فسد؟
إنّني أتوجّه إلى من يهمّه الأمر بما يلي من الإقتراحات:
سيّد فرانسوا فيّون، هل دمكم دم ودمنا ماء؟ هل لغتكم حكمة ولغتنا هراء؟ هل تاريخكم أمجاد وتاريخنا هباء؟ هل وعيكم ذكاء ووعينا غباء؟ بصدق سيّدي، هنيئا لنا التخاذل وهنيئا لكم الدّهاء!
لا ألوم ديبلوماسيّة دولة بنيت على جماجم فقراء إفريقيا وترعرعت وكبرت على مصّ دماء شعوب مستعمراتها السابقة واللاحقة فماهي إلاّ قوّة تحنّ إلى ماضيها الإستعماري القبيح. ولكن اللّوم يقع على من يطبّل ويزمّر ويسبّح بحمد ديمقراطيّة بلا أخلاق وفلسفة تنوير وعدل ومساواة لم تغادر صفحات الكتب وحضارة لم تفرض نفسها سوى بقوّة أساطيلها. والسؤال كيف السبيل إلى إصلاح بعض ممّا فسد؟
إنّني أتوجّه إلى من يهمّه الأمر بما يلي من الإقتراحات:
- منع استعمال اللّغات الأجنبية في الإعلام الرسمي إلاّ عند الضرورة القصوى.
- تطوير وتعميم وإجباريّة تدريس اللغة العربية في المدارس والمعاهد التونسية بما يتماشى مع أهداف ومقاصد المنظومة التعليمية وطبيعة الشعب والإختصاصات موضوع التكوين.
- بعث أكاديمية وطنية للآداب والعلوم الإنسانية والفلسفة تكون إحدى مهمّاتها العاجلة العمل على نقل كل ما كتبه ودرسه وألّفه الغرب والشرق قديما وحديثا وترجمته وأرشفته وإتاحته لكل المواطنين والمتعلّمين بأسعار رمزية عبر أرشيف افتراضي وطني مفتوح للجميع.
- بعث أكاديمية وطنية للعلوم الصحيحة وأخرى للعلوم التطبيقية والهندسة وعلوم الحياة والكون يكون أحد مهماتها الرئيسيّة نقل كل العلوم والتقنيات الغربية والشرقية وترجمتها وأرشفتها وإتاحتها لكل المواطنين والمتعلّمين بأسعار رمزية عبر شبكة وطنية مفتوحة للجميع.
- إحداث مكتبة وطنية افتراضية.
- سهر كل البعثات الديبلوماسية والقنصلية التونسية على متابعة ونقل كل ما يمكن نقله من علوم وآداب الشعوب الأخرى.
- إحداث خلايا يقظة لمتابعة المؤتمرات العلمية في كل المجالات (وهنا ألاحظ ما يلي: شاركت منذ مدّة في فعاليّات مؤتمر علمي يهتمّ بمجال حيوي وحسّاس ولم أجد مشاركا واحدا من جامعات عربية أو إسلامية بينما وجدت مشاركين من دول لا أعرف أين توجد على الخريطة. كان لي شرف لقاء بعض التونسيين الذين يعملون في هذا المجال لصالح دول أجنبية كثيرة وآلمني ألاّ يشارك تونسي واحد باسم تونس!).
- بعث مؤسّسة وطنية للترجمة والتعريب تكون مهمّتها الرئيسيّة تعريب أنظمة ومناهج التعليم كليّة والسهر على ملاءمة اللغة العربية لروح وتطوّرات العصر.
- التخلّي نهائيّا على اللغة الفرنسية كلغة ثانية وتعويضها باللغة الإنقليزية.
- تأهيل الجامعات ونظم التعليم وتحديث المناهج بعد دراسة عميقة تأخذ ما يكفي من الوقت على يد لجان مؤهّلة ومختصّة.
- استقطاب الكفاءات التونسية العاملة بالخارج وكذلك كلّ الكفاءات المغاربيّة والعربيّة القادرة على تقديم الإضافة وغير المتوفرة محلّيا.
- تخصيص ما لا يقل عن 7 في المائة من ميزانية الدولة لصالح البحث العلمي وخصوصا في القطاعات ذات الأولوية (كالطاقة، الفلاحة، تقنيات الإتصال، ...).
- بعث مراكز نقل للتكنولوجيا بين الجامعات والقطاع الصناعي يشرف عليها صناعيون وجامعيون أكفّاء.
- إحداث قناة وطنية ناطقة بالعربية للعلم والمعرفة وتطوير ثقافة وتقنيات التكوين عن بعد.
- تكوين المهارات والخبرات حسب طلب سوق الشغل وتقوية شروط النجاح والتأهيل.
- وقبل كل شيء توسيع طاقة استيعاب الشبكات الوطنية للإتصالات بما فيها الإنترنيت وإعدام رمزي للمسمّى "عمّار" في حفل مهيب يقام في شارع الحبيب بورقيبة وينقل على كل القنوات مباشرة للقطع نهائيا مع سياسة الحجب والمقص والرقابة.