‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ. إظهار كافة الرسائل

وقعت على تسجيل نادر من قناة فرنسيّة يذكّر ببعض جوانب أزمة 1960 التي اندلعت بين بورقيبة بعد فتواه الشهيرة حول إفطار رمضان، وبعض شيوخ الزيتونة. وقد بلغت هذه الأزمة ذروتها لمّا أعطت الحكومة تصريحا لمخرج إيطالي بتصوير فيلم "لص بغداد" في مدينة القيروان. ولمّا احتجّ بعض المواطنين وعلى رأسهم الشيخ عبد الرحمان خليف رحمه الله، أمر بورقيبة والي المدينة عمر شاشية بنفي الشيخين عبد الرحمان خليف وصالح البحري إلى مدينة سوسة. وانفجرت بذلك أوّل انتفاضة شعبية ضد المجاهد الأكبر. فما كان من السيّد الرئيس إلاّ أن أمر باستقدام كتائب من الجيش الوطني متمركزة بسوسة، وأعطاها الأمر باستعمال الذخيرة الحيّة ضد المتظاهرين. فكانت الحصيلة ثقيلة من القتلى والجرحى.



مصدر التسجيل: قيرواني على الدايليموشون

تنويه: الجزء الثاني من التسجيل نقل لبعض مشاهد فيلم "صندوق عجب" حول أحداث القيروان 1960.

إقرأ المزيد...
كتبت هذا النص: عبرات، ألم و أمل في الجمعة، ماي 08، 2009

انطلق في تدوينة سابقة نقاش عفوي بين الأخ فوزي والأخ سفيان (هنا). حيث أنّ الأوّل يعتقد أنّ أخطاء بورقيبة أكبر وأخطر من أخطاء القذافي في حين يقول الثاني العكس. في رأيي كلاهما مصيب وكلاهما مخطئ في آن واحد لاعتبارات عديدة سأحاول تلخيصها قدر الإمكان في النقاط التالية:

1- بورقيبة والعقيدة:

من جهة أولى، يعتبر الحبيب بورقيبة شخصيّة مركّبة ومعقدة ولا أعتقد أنّه بالإمكان الجزم له بموقف واضح تجاه العقيدة. المؤكّد أنّ دهائه السياسي -النادر في عالمنا العربي- جعله عموما في كرّ وفرّ مع رجال الدين المحافظين. لو قرأنا الجزء اليسير المتوفّر من سيرة الرجل وهو على رأس الدولة التونسية الناشئة سنرى -أو على الأقلّ هذا ما توصّلت إليه- أنّ همّه الأوحد كان إسقاط نموذج حضاري غربي على تونس. عمل على ذلك لسنوات طويلة دخل خلالها في مواجهة مع رجال الدين حينا (مثلا قانون الأحوال الشخصية، إفطار رمضان، ...) وتحالف معهم -أو على الأقلّ سايرهم- ولو بشكل غير مباشر في أحيان أخرى. وهذا العمل كان بغاية التحديث وذلك لانبهاره الشديد بتطوّر فرنسا خصوصا وأوروبا عموما. إذن فتحديث البلاد كغاية أمر يُحسب له ولو لم تحظى الوسيلة لذلك بالترحيب والإجماع. لابدّ أيضا من الإشارة إلى دور الحاشية المحيطة به ووزرائه وغيرهم ممّن كان لهم دور في رسم السياسات وتنفيذها. وبقطع النّظر عمّا إذا كانت هذه السياسات (كتحديد النسل، قانون الحجاب وغيرها) مصيبة أو خاطئة وبقطع النظر عمّا إذا كان النموذج "العلماني" الذي أراد بورقيبة استيراده بغاية تحديث البلاد مناسب أم لا فالمؤكّد أنّ علاقة الرجل بالموروث العربي الاسلامي في إطاره التونسي لم تكن في غاية السّوء كما لم تكن أيضا في غاية الإنسجام. كانت ببساطة علاقة براغماتية بحتة. ما نتج عن هذه العلاقة من سياسات وبرامج كان له دور في تغيير القاعدة العقدية للمجتمع التونسي حيث وصل الأمر عبر تراكمه لعقود طويلة، إلى حد الحديث مثلا عن "إسلام تونسي"! لكن من جهة أخرى ليس من الصّحة تحميل بورقيبة وسياساته "المعادية" -حسب البعض- للدين الإسلامي، وزر كل هذا التغيير في عقائد وأخلاقيات وذهنية وحتى رؤية المجتمع التونسي لهويّته. لا يجب إغفال المدّ اليساري المتطرّف والحركات الشيوعية والإشتراكية التي أخذت في الظهور كالفطر السّام في تونس منذ بداية عقد الستينات (ومحمد الشرفي كان أحد أعلامها البارزين). وقد دخلت هذه الحركات الإستئصالية في أغلبها، في وقت ما في صراع على السلطة مع بورقيبة. ولا يجب نسيان أنّ مثل هذه الحركات كانت مُحتَضَنة أو على الأقلّ متأثّرة بقوى خارجية معروفة في ذلك الوقت. لا يجب كذلك إغفال الغزو الثقافي الذي مرّ إلى سرعات خياليّة منذ بداية التسعينات خصوصا مع ظهور وسائل الإتصال الحديثة وانبلاج عصر السماوات المفتوحة. ولا يجب تجاهل عوامل أخرى كثيرة سابقة ولاحقة ولا تخفى على القارئ كان لها أثر مباشر في ما يحصل. النتائج التي نراها اليوم من تفسّخ وانحلال وضبابية الهويّة ومظاهر تطبيع مع ظواهر لا تمتّ لواقعنا ولا لموروثنا بأيّ صلة هي نتيجة تراكم الكثير من الأشياء بعضها كان من مخلّفات عهد الاستعمار وبعضها الآخر بدأ مع الاستقلال وبعضها الآخر حديث جدّا. مثل هذه النتائج نراها ولو بأقلّ حدّة في مجتمعات شبيهة وقريبة منّا. وهذا معناه أنّ سياسات بورقيبة ليست الوحيدة الملامة وإن كانت سببا في تسريع ما آل إليه وضع المجتمع التونسي.
في رأيي، بورقيبة كانت له مناقب كثيرة مقارنة بالحكام العرب سواء في عصره أو لاحقا. وأعتقد أنّ أهم منجزاته كانت محاولته النهوض بالمرأة وبالتعليم. ورغم أنّ هذه المحاولات -في تقديري- فشلت إلاّ أنّها تعتبر ثورية في عالم عربي وضعيّة المرأة فيه لازالت كارثية وأكثر من ثلثي سكّانه أميّون. أمّا من يقدّسون هذا الرجل فهؤلاء هم "المهزمون". إنّهم يقدّسون صنما عبدوه حيّا خوفا أو/و طمعا ويعبدونه ميّتا تملّقا وانتهازية. هؤلاء كمن عبد ويعبد جمال عبد الناصر وصدام حسين وغيرهم من جهابذة الديكتاتورية في وطن عربي طغت عليه الهزيمة والجهل والخذلان. لكنني متأكّدة أنّ كلّ الأصنام ستكسر يوما ما. وسيذهب معها كلّ الذين يقتاتون على الجثث العفنة وما لفظه التاريخ من غريب وعقيم الايديولوجيّات. يبقى السؤال المؤلم: متى؟

2- القذافي والعصبيّة القبليّة الجاهليّة:
في رأيي، لو كان هناك جائزة نوبل للغباء فلن يستحقّها إلاّ الملك الإفريقي والقائد العربي وحديثا "إمام المسلمين". لن أطنب في الحديث عن هذا الرجل لأنّه لا يستحقّ الاهتمام أصلا. يكفي أن تشاهد بعضا من تصريحاته وخطبه (مثلا حول التعليم هنا) وتقرأ عن بعض فضائحه حتى تكون لك فكرة جيّدة حول أحد الأصنام الأزلية إفريقيا وعربيا.
ببساطة شديدة، ليس ثمّة وجه مقارنة بين رجل القانون الذي نهل من فلسفة التنوير وحارب من أجل الإستقلال (رغم كلّ الاختلافات الممكنة معه ومع سياساته كرئيس للدولة) مع عسكري قدم إلى السلطة عبر انقلاب ويدير بلده كقبيلة بدائية. إنّني كثيرا ما أتساءل كيف يكون حال الشقيقة ليبيا لو لم يكن لها نفط؟

أخيرا، شكرا للإخوة فوزي وسفيان على هذا الحوار الهادئ والثري.

إقرأ المزيد...
كتبت هذا النص: عبرات، ألم و أمل في الأربعاء، ماي 06، 2009

ينظّر الكثيرون ومنهم جوقة حزب الديك على سبيل المثال، لما يسمّى "بالديمقراطية الغربية في البلدان العربية". يبدو المصطلح ركيكا مهتزًّا منذ النظرة الأولى لأنه يطلق أحكاما جائرة ويتعسّف على اللغة كثيرا جدا. فمن مقابلة ماكرة للعرب بالغرب إلى ربط شبه حصري لهذا الغرب بالديمقراطية. فالأولى يقصدون بها أنّ شمس الحداثة والحرّية والعدالة لا تشرق إلاّ من غرب مستنير على شرق مظلم غارق في الرمال. أما الثانية فإنها تعطيك الإنطباع بأنّ الديمقراطية مكنسة أو ثلاجة أو خلاّط من إنتاج واحد من المصانع الليبرالية المنتشرة كالفطر في هذا الغرب الفسيح. مثل هذه الأفكار العقيمة تجد عند السذّج ومرضى الأنفس وتجّار الأرض والعرض هوى وتقديرا واستحسانا. فأما السذّج فيعجبهم عذب الكلام وتفتنهم بلاغة الخطاب ويغريهم جمال الحلم. وأما ضعاف النفوس ومرضى الضمائر فلا شيء أحبّ إليهم أكثر من "ديمقراطية" تمرّ عبر فرج فتاة شابّة في عربة مترو تائهة في الزحام أو "حقوق إنسان" تمارس برشفة نبيذ معتّق في مكتب حكومي فخم يتقاسمها الموظف الخمسيني مع سكريترته الحسناء. وأما تجّار الأرض والعرض فهؤلاء كيهود بني قريضة واقفون مع الواقفين ولا ولاء لهم إلاّ لأنفسهم. وكلّ يجد في المسكر ما يروي عطشه ويجلب له النشوة وأما البقية فمجرّد تفاصيل.
ما أجمل كلام كهذا الكلام:
"معركتنا هي تحقيق الحرية والعدالة وسيادة القانون فوق الجميع في بلدنا تونس، وما يمكن أن يهدّد معركتنا هذه من خارجها. أي التفاف حول معارك أجنبية أو افتعال معارك داخلية لا يصبّ في مصلحة أحد غير المستفيدين من بقاء الاستبداد والفساد وغياب الديمقراطية وحرية المعتقد والتفكير والتعبير."
لكن هذا الكلام الجميل
، المنمّق والرنّان يفقد بريقه ويغدو جيفة تتحلّق حولها الغربان لمّا يقترن بكلام كهذا:
"انا اريد حرية وعلمانية وديمقراطية اسرائيل وامريكا عندنا."
هذا الانشاء من آخر ما تفتّقت عنه القريحة المريضة لزعيم كوك
لس كلان الملحدين في أرض ابن خلدون والحداد وحشاد. قد يلومني البعض على قولي هذا. ولكن مهلا من فضلكم. منذ أيام، أحيا الوطن ذكرى يوم مضيء في تاريخه، يوم خرج المئات ليطالبوا بالكرامة والحرية الوطنية والبرلمان التونسي ففتحت عليهم الديمقراطية الفرنسية النار واِرتوت أرض اُغتصبت لثلاثة أرباع قرن بدمائهم وشلاّلات من دموع اليتامى والثكالى. فهل قرأتم لهؤلاء نصًّا واحدا يُذكّر بتضحيات هؤلاء الرجال البررة الذين سطّروا تاريخ البلد بعرقهم ودمائهم ودموع أطفالهم وعذابات أهاليهم؟ أليسوا هم -جماعة حزب الديك- من يعتبرون تلك الانتفاضة الأبيّة ومثيلاتها، "دروشة جماعية" قياسا على ما قالوه لمّا أعاد التاريخ نفسه -بفوارق بسيطة- بعد سبعين سنة؟
سهل جدا أن نتكلّم عن المبادىء، صعب جدا أن نطبّقها في حياتنا. فما بالك لو كانت المبادىء مجرّد شعارات جوفاء يجعلونها مطيّة لما هو أدهى وأم
رّ؟ أليست الغاية -في الفكر الليبرالي- تبرّر الوسيلة؟ هي إذن أسئلة من وحي هذا الزمن العفن. أسئلة لا يجدون الشجاعة للإجابة عليها. فكيف لقاض أن يُحاكم نفسه؟ وكيف "لمناضل من أجل الحرية والديمقراطية" أن يشهد بأنّ كلّ أهدافه امرأة ينكحها وكأس يتجرّعه في رشفة واحدة في أيّ مكان يريد دون أن يقام أذان يزعج نشوته أو يرى محجّبة تذكّره بأنّ للكون ربّ يمهل ولا يهمل وأنه لا ريب ملاقيه ولو بعد حين!
ولكن دعونا من هذا وذاك. فلا ريب سيقولون محاكم تفتيش وتنقيب في الضمائر وتحقيق حول العمالة والخيانة. دعونا نفترض جدلا -كالعادة- أنّ هؤلاء صادقون في قولهم، مخلصون في عزمهم ونبلاء في مقصدهم. دعونا كما تعوّدنا أن نكون، نحسن الظن ونبحث في الأمر قبل أن نحكم عليه. دعونا نُسائل هذه "الديمقراطية-النموذج" التي يريدون استيرادها لنا تماما كما تفعل حكومتنا لتملأ بطوننا من القمح الأمريكي المعالج جينيّا. ألا يحقّ لنا أن نعرف قياسات "منظومة القيم الكونية" التي يريدون أن يلبسوها لشعب بالكاد يفكّ الحرف ويسدّ رمقه من خبز تتكرّم به علينا "الديمقراطية الغربية" بثمن ندفعه من كرامتنا ووجودنا وتاريخنا؟ ألا يحق للمحكوم بالإعدام أن يسأل بأيّ وسيلة سيغادر هذا العالم؟ مرّة أخرى، هي أسئلة من وحي هذا الزمن العفن!
الديمقراطية قيمة محمودة ومرغوبة، قاتل من أجلها البشر منذ آلاف السنين. إنها رحلة بين المعنى والمبنى وما أجملها من رحلة! بدايتها عند المعنى حيث يتساوى بنو البشر في ظروف معيّنة ورغمًا عن أنف أيّ اختلاف قد يقسّمهم أكثر من أن يجمعهم، كالجنس أو اللون أو اللغة أو الدين. يتساوى هؤلاء في التأثير على حاضر ومستقبل المجموعة / المجتمع / الدولة التي ينتمون إليها. هي في معناها السطر الذي يقف خلفه الجميع بالتساوي قبل إطلاق صفارة البداية في سباق العمل من أجل "الوطن-الأمّة" كل حسب قناعاته وأفكاره. معنًا جميل! كيف لا والزوج والزوجة والخادمة والزّنجي الذي يدير محل البقالة في طرف الشارع وصبيّ الجرائد والجارة الراهبة، جميعهم لهم صوت بوزن واحد يُسمع بنفس الدرجة في أرجاء هذا البلد
الممتدّ. معنًا يحيل قطعا على المبنى وهذا من ذاك وبين هذا وذاك رحلة درامية تفيض شجونًا. مبنى الديمقراطية هي تلك المؤسّسات التي بنيناها جميعا لتخدمنا جميعا بشكل متساو وأيضا تتأثّر بنا جميعا بشكل متساو ومهما كانت الظروف.
الديمقراطية إذن تنبع من إرادة المساواة والمساواة جوهر العدالة. والعدالة صمّام الأمان في المجتمع. فإذا عدلت أمنت وإذا أمنت نمت قرير العين. والعدل أساس العمران. ولا يتوفّر العدل إلا إذا كان المرء حرّا له إرادة الإختيار. وغير ذلك جبر وتسيير، ومحاسبة المرء على ما استكره عليه ظلم بائن وفساد في الأرض. إذن تقوم الديمقراطية على دعائم راسخة أولها العدالة والحرية. ومجمل هذه الدعائم تكوّن أساس المنظومة القيمية والأخلاقية للمجتمع. منظومة تراوح في مكوّناتها بين ثوابت كونية لا تتغيّر بالزمان والمكان ومتغيّرات تستجيب لشروط العقد الاجتماعي والأخلاقي الذي اختاره المجتمع ديدنا ومنهجا له. ومساحة الثوابت والمتغيّرات في تحوّل مستمرّ. ولكن ثمّة سؤال أساسي: ماهي الأخلاق؟ صعب إيجاد تعريف شامل لها ورغم ذلك لنعتبرها مجموع الأعراف والقواعد التي تحكم سلوك الفرد والمجموعة في ظروف معيّّنة. وبالتالي هي من يحدّد إن كان تصرّف
ا ما أمرا جيدا أو سيّئا، محبّبا أو مستهجنا. والأخلاق تحكم تصرّف الفرد كما تحكم تصرّف المجموعة سواءً تجاه فرد أو تجاه مجموعة أخرى. وبالتالي الديمقراطية الحقيقية والقّحة ليست مجرّد صناديق انتخابات تملأ بأصوات بالإمكان شراؤها وإنما هي التزام أخلاقي قبل كل شيء. فلا ديمقراطية مع الظلم أو الوصاية أو الجريمة.
فإن كانت الديمقراطية مبحث من المباحث لنسق فلسفي عميق -السلطة والحكم- ومرّت كقيمة وكنظام وكفلسفة بأطوار
عديدة تبدأ من المدينة الأفلاطونية الفاضلة إلى ديمقراطية نبلاء روما إلى أن تحطّ الرّحال في بلاد الأنوار وتغذّي طموحات فلاسفة التنوير في عالم ما بعد إقطاعي أكثر إشراقا، فهي اليوم نظام يستورد على ظهور الدبابات. فالديمقراطية الغربية الحديثة هي آخر المحطّات لنظام بني نظريا ليجعل حياة البشر أفضل -بالمعنى الأفلاطوني- فإذا به يستحيل إلى ديكتاتورية مقنّعة. تتزاحم الأسئلة في رأسي: متى، كيف ولماذا؟ أسئلة براغماتية تحاول دفع الدهشة عنّي وقصم متن الشك في داخلي خاصة وأنا ألمح في نظر الآخر إنكارا صامتا وريبة غريبة. فهل يُعقل أن أقول عن ديمقراطية العالم الحرّ، الرّاعي للحقوق والحريات الأساسية والقيم الكونية، ديكتاتورية مقنّعة؟ ربّما لأنني كفرت بسلطة "الحقيقة" كما كفرت بسلطة "العالم المادي". فلم تعد تقارير الإعلام "الحر" تقنعني كما لم يقنعني داروين يوما بأنّ جدّي الأول قرد إبن سمكة. أتُراني قد فقدت عقلي لأنّني ربّما قد كفرت بالإلاه الأوحد في العالم السفلي، السّيد "عقل بن منطق"؟
بعد الثورة الفرنسية، أخذ المجتمع الغربي بصفة عامة في التحوّل. فكانت الثورة الصناعية وبداية عهد الديمقراطية الغربيّة. أخذت بعض الدول في التململ والتوسع وبدأ العهد الاستعماري الأوّل. وفي عقود قليلة، أصبحت بريطانيا الامبراطورية التي لا تغيب عنها
الشمس. وكان لوصيفتها الأولى فرنسا حظ وافر من الاستعباد والإستعمار في إفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا. وتقاسمت بقية البلدان الأوروبيّة كل حسب حجمها، بقية الغنائم من أراضي وثروات الدول الضعيفة والفقيرة في عالم الجنوب. ترافقت هذه الحركة الإستعمارية مع مجازر بشعة وحركة رقّ لم تتوقّف لقرون وتهجير ونهب منظم لثروات الشعوب وحروب دامية. وفي النصف الأوّل للقرن العشرين، كانت الديمقراطية طرفا محوريا في حربين كونيتين مدمّرتين لازال البشر يعاني من أثارهما لحدّ الآن. فكانت الفرصة متاحة لتفجير الساديّة والبربريّة التي تختزنها نفس الإنسان الذي فقد المرجعيّة الأخلاقية الملائمة. ومن صفحات تاريخ اختنق بتفاصيل الظلم والظلمات تنفجر أسئلة بديهية قلّما سُئلت: هل من المعقول أن نكنّ الإحترام لمرجعية أخلاقية سمحت باستعباد الإنسان لأخيه الإنسان بحجّة اللون أو اللغة أو التفوّق العرقي أو الحضاري؟ هل من المنطق أن نحترم ديمقراطيّة بنت بلدانها على جماجم الآخرين وثرواتهم المسلوبة؟ هل بالإمكان الثقة في نظام سمح لنفسه بالوصاية على مصائر ثلثي المعمورة؟ هل من الأخلاق تبرير العنصرية والفوقية التي عاملت بها [بعض] شعوب الشمال [بعض] شعوب الجنوب؟ ما الذي يجعل ديمقراطية التنوير والمقاومة والعلمانية الفرنسية تسرق من شعب إفريقية [تونس] 75 سنة من وجوده وتاريخه وثروته وسيادته؟ وما الذي يجعلها تصرّ على الإحتفاظ بالجزائر "الفرنسية" رغم جثث مليون ونصف مليون شهيد؟ كيف يحقّ لنا نسيان جحافل العبيد الذين حُمِّلوا قسرا في السفن ليُرحّلوا للغرب أو قضوا عند نقلهم عبر الصحراء في طريقهم لخدمة الأسياد البيض؟
انتهت الحرب العالمية الثانية باستعمال السّلاح النووي، السّلاح الأبشع والأكثر دمارا في تاريخ البشرية، ضدّ مدن سكانها مدنيون عانو كغيرهم من ويلات حرب كان الجشع والطمع فتيلها والبسطاء والعزّل وقودها. وطلع علينا ترومان ليبرّر ذلك الفعل القذر بالقول "أنّ الطريقة الوحيدة لحماية الولايات المتحدة والغرب [الديمقراطي] هي الحرب العادلة [قتل المدنيين]". ما يزيد عن ستين عاما تفصلنا عن هذه النظرية ولازالت إلى الآن ركيزة حيّة في العقيدة السياسية للديمقراطية الغربية! بُعيْد نهاية الحرب العالمية الثانية، نفّذت الإمبراطورية التي بدأ بريقها في الخفوت وعدها وأعطت لبني صهيون ما يريدون: "وطن" و"أرض". وتكفْلت بقية الديمقراطيات
بإمضاء تصريح ميلاد دولة إسرائيل [التي تحارب لليوم الهمجية الدينية الإرهابية بالعلم والمعرفة والديمقراطية] وصكوكا على بياض لتسليحها وبناء اقتصادها. وبدأ بذلك فصل جديد قديم من آلام وعذابات قطاع من البشرية [الغبيّة الغارقة في الرّمال]. أسئلة أخرى كثيرة تتراكم على هامش التاريخ وتأبى إلاّ أن تسبّب لي صداعا قطعا لست في غنى عنه فالألم هو أحد محفّزات الوعي: ما الذي يجعل دولة ديمقراطية تتصرّف في أرض على غير ملكها؟ ما الذي يجعل حكومة ديمقراطية تحرق مئات الألوف من البشر بضغطة زرّ؟ ما الذي يجعل الديمقراطيات تتصرّف بشكل لا أخلاقي؟ ما الذي يجعلها تتآمر وتعمل عمل اللصوص وقطّاع الطرق؟
تتوالى السنوات وتواصل الديمقراطيات بما فيها الديغولية الثورية الإطباق على أعناق مستعمراتها وتصل إلى حد تنفيذ تجاربها النووية على أرض هذه المستعمرات. وبالتوازي، تدعم الديمقراطية "الوريث
ة" لمبادئ الثورة الفرنسية إسرائيل بمدّها بأسرار القنبلة النووية. وتشارك بريطانيا التي تحاول جاهدة البحث لنفسها على موطأ قدم لها في عالم لم يعد يعترف بها كقوّة لا يشقّ لها غبار، "ديمقراطية التنوير" وديمقراطية بني صهيون ليكون العدوان الثلاثي. غير بعيد، تفبرك الإمبراطورية الناشئة في العالم الجديد أسبابا واهية تعلن بها حربا دموية على فيتنام وتنال شلاّلات النابالم وعواصف الفسفور الأبيض من الأخضر واليابس في بلد يكاد أهله يهلكون جوعا. وتصرف مئات بلايين الدولارات على الأسلحة ويوظّف الألوف المؤلّفة من الجواسيس والطوابير الخامسة والسادسة وحتى العاشرة وتأتي مع كل يوم أخبار اغتيالات وانقلابات وأنظمة ديكتاتورية عميلة هنا وهناك. وتتضخّم الشركات العابرة للقارات ويمتدّ أخطبوطها إلى كل مكان ويطبق على الدول الفقيرة قبل الغنيّة ويتضاعف نزيف الخيرات ودماء الفقراء والمعدمين وتنتفخ كرش الرأسمالية العالمية ويزداد جشعها. فيما تزداد الديمقراطيات إمعانا في السلوكيات اللاأخلاقية إلى أن يصل بها الأمر لدعم الإرهاب الديني لمواجهة خصم إيديولوجي! وينهار هذا الخصم الإيديولوجي في غفلة من الزمن ويبدأ البحث عن البديل: خصم جديد يبرّر للديمقراطية التصرّف بقذارة على طريقة عصابات الجريمة المنظّمة. ويتجسّد حلم الإمبراطورية [الديمقراطية] التي لا تقهر وتطلق العنان لحروب وغزوات جديدة "لنشر الحرية والديمقراطية".
لو سألنا جوقة حزب الديك وألححنا في السؤال لقالوا بأنّ الديمقراطية من واجبها الدفاع عن مصالح الأوطان ولو بطرق غير أخلاقية. ومن قال لكم أننا لم نحاول إقناع أنفسنا بهذه الفرضية على صعوبة هضمها. لكن مهلا، ألم يأتكم حديث الفصل العنصري في أعرق ديمقراطية في العصر الحديث؟ ستقولون "كان يا مكان" والدليل هاهو أسود يجلس على عرش العالم! ولكن من أجلسه على ذلك المقعد غير رهبان وأحبار وال ستريت؟ ثم ألم يأتكم حديث كاترينا؟ وحديث الجنود السود الذين أرسلوا للحرب في أفغانستان والعراق؟ وحديث الهنود الحمر الذين أبيدوا بلا ذنب؟ وحديث شباب الأحواز في عاصمة الأنوار؟ ألم يبلغكم أيضا حديث المرأة المستغلّة جسدا، تعمل أكثر من الرجل وتتقاضى أقل منه؟ وحديث الحريات التي كلّما ضاقت في ميدان توسّعت جنسيا؟ وحديث "المظلات الذهبية" ولوبيات الإعلام والصناعة العسكرية والدوائر المالية وغيرها؟ وما هذا سوى قليل من كثير...


مقتطفات من خطب قسّيس أمريكي
(النسخة الإحتياطية هنا)


حديث مع لويس فرخان
(النسخة الإحتياطية هنا)


محور الأخيار
(النسخة الإحتياطية هنا)

وتتوالد الأسئلة وتتكاثر كالجراد حول هذه "الديمقراطية النموذجية" التي ترتكز على نظام أخلاقي وقيمي متصحّر. كثيرا ما يتهمنا زعيم حزب الديك بعدم مناقشة الأفكار فهل يتنازل هذه المرّة قليلا ويفسّر لنا الأسباب وراء تصحّر المنظومة القيمية للديمقراطية التي يريد استيرادها لنا؟ هل بإمكانه أن يكلّمنا عن فوائد أخرى لديمقراطية الدبابات غير مسابقات العري الفني والحرّية الجنسية، التي انتدب نفسه ليروّجها لنا عوضا عنها؟
أشك في أن تكون له أو لأحد من جماعته الشجاعة والشرف الكافيين للإجابة بأمانة على هكذا أسئلة. فنحن لم نتعوّد منهم إلاّ الصياح ولعب دور الضحية والتشهير لا أكثر. ولكنّني على الأقل متأكدة من أنّ الصفاقة والصلف والوقاحة هي أبرز عوارض فساد الأخلاق.
تحياتي،

إقرأ المزيد...
كتبت هذا النص: تانيت، عبق التاريخ في الاثنين، أفريل 13، 2009

الحرب الإفتراضية على الإسلاموفوبيا

وكالة أنباء الحرافيش


حرب الحرافيش على شهر رمضان المعظّم: حرفوش برلين الملقّب ب"الفنان" يشوّه مقالا مسروقا ليدعم ما يقول عنه أنّ "فريضة الصيام تزيد في ارتكاب الجرائم لدى المسلمين" | محبوبة غايت: الحرفوش الجنّي يعلن النصر من طرف واحد على من وصفهم بالأطراف الظلامية وأعداء الحياة | جبهة الإعتلال: إختلاق أخبار تقول بإمكانية العودة إلى نظام تعدد الزوجات في بلد الياسمين | حملة الحرافيش على الحجاب: الحرفوش الغبيّ ينشر رسالة منقولة عن أحد رموز الصف الثاني للطابور الخامس تحذّر من انتشار الحجاب على الشواطىء ويطالب بمنع ما وصفته الرسالة بزيّ البؤس والحزن والموت ورمز الفراغ والقبح والتوحّش | مواقف الحرافيش: الحرفوش الفيّاش يصدر بيانا يدين فيه من أسماهم بجماعة "عمّار الأخضر" ويطالبهم بالإعتراف ببطولاته وأمجاده في الدفاع عمّا وصفه بحرّية التعبير ويذكر أنّ هذا البيان قد لاقى صدى واسعا لدى الحرافيش وجبهة الإعتلال حيث أعلن عدد كبير منهم دعمهم لما جاء في البيان ولحرّية الفيّاش الفكرية | إعلانات متفرّقة - شراء: أعلن الحرفوش الهالك عن صدور كتاب له ودعى كل المدوّنين إلى شرائه عبر النت | إعلانات متفرّقة - كراء: أعلن حرفوش برلين عن بتّة عموميّة لكراء عقار على ملكه كان يستغلّه كمصبّ للفضلات | شؤون المرأة: أصدر الحرفوش الغبيّ بيانا موقّع من طرف جماعة غير معروفة يعلن فيه كفره وتمرّده على ما أسماه ب"دولة الذكور" | أدب الحرافيش: حرفوش التراث يصدر معلّقة بذيئة في هجاء "مدوّني البترودولار"

مدوّنتنا على الفايسبوك

زوّارنا