في البداية وجب التنويه للآتي:
- ما أكتبه هنا هو نتاج لقراءاتي وفهمي المتواضع للأشياء
- أن كل من ينتمي للحركات اليسارية بما فيها العلمانية واللادينية لا ينتمي بالضرورة للطابور الخامس بل ما أكثر اليساريين الذين كافحوا عناصر ذلك الطابور
- أن ما يكتب هنا ليس محاكمة لأشخاص أو بحث في ضمائر ووطنية البعض وإنما هو ببساطة تسليط للضوء على حركة تدفع بنا إلى الوراء وتساهم في هزائمنا وتؤسس بقدر كبير لمزيد من انحطاطنا الحضاري
- حق الرد على كل ما ينشر في هذه المدونة مكفول للجميع
أولا، دعنا نتفق على تعريف مبدئي لمصطلح "الطابور الخامس".
حسب التعريف الشائع والمنشور على ويكيبيديا فإن:
"الطابور الخامس هو تعبير نشأ أثناء الحرب الأهلية الإسبانية التي نشبت عام 1936 م واستمرت ثلاث سنوات وأول من أطلق هذا التعبير هو الجنرال كويبو كيللانو أحد قادة القوات الثائرة الزاحفة على مدريد وكانت تتكون من أربعة طوابير من الثوار وقال: إن هناك طابورًا خامساً يعمل مع الثوار من داخل مدريد ويقصد به مؤيدي الثورة من الشعب.
وترسخ هذا المعنى في الاعتماد على الجواسيس في الحروب واتسع ليشمل مروجي الإشاعات ومنظمي الحروب النفسية التي انتشرت نتيجة الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والغربي." [ويشمل الطابور الخامس مسؤولين وصحفيين وبعض من يزعمون أنهم مثقفون] (انتهى الإقتباس).
بتعبير بسيط، الطابور الخامس هو مجموع الأفراد أو الجماعات التي تصطف وراء العدو وتستميت في الدفاع عن مصالحه والتشريع لأعماله كما تنتهج أساليب عديدة (بما فيها الحرب النفسية) لحث الناس على الاستسلام للعدو والتسليم بتفوقه وتحقيق أهدافه وتسعى لضرب أية حركة مقاومة ونشر ثقافة الهزيمة ونسف كل ثقة في النفس وإرادة للصمود عند الجماهير.
دعنا الآن نتابع أبرز ما كتب في إطار هذا الموضوع في البلوغوسفير التونسي، وإن دار أغلبه حول "صمت" المدونين العلمانيين بخصوص مأساة غزة:
المدون آرتكلي تساءل (هنا و هنا و هنا و هنا و هنا و هنا) عن الصمت الغريب للمدونين العلمانيين فيما يخص التعاطف الإنساني المبدئي مع ضحايا الهجوم الصهيوني البربري ووجوب إدانة صريحة لهمجية إسرائيل بقطع النظر على مسؤولية حماس في هذه الأزمة. بينما كتب المدون قصة أون لاين بأكثر وضوح (هنا و هنا و هنا و هنا) عن الطابور الخامس وخططه الخطيرة في ضرب مقاومة الشعوب ومصالحها.
فيما كتب المدون طارق مقالا (هنا) قال فيه بأن المرحلة دقيقة ودعا فيه جميع أطراف الحوار إلى التعقل وطالب جانبا منهم بعدم محاكمة نوايا الآخرين كما طالب الجانب الآخر بالتخلي عن مبدأ "عدو عدوي صديقي" والتفريق بين حماس كسلطة وفلسطين كشعب. من جانب آخر أعلن المدون عياش مالمرسى (هنا) أن إلحاده لا يمنعه من مناصرة أهل غزة في محنتهم.
على الضفة المقابلة استمات المدون عاشور الناجي في سلسلة من المقالات (هنا و هنا) في تبرير حق إسرائيل كدولة في الدفاع عن مواطنيها مقابل الإرهاب الإسلامي ومجتمع مهووس بالدين وبالخرافة ولا يقيم للعلم وزنا كما انتقد بشدة خروج الجماهير العربية للإحتجاج على ما يجري في غزة واعتبر ذلك تصرفا عاطفيا غير مسؤول يعبر عن غباء مفرط . فيما هاجم في رد على المدون قصة أون لاين (هنا) الأصوات التي ارتفعت بالتخويين و الاتهام بانعدام الوطنية ثم عاد فيما بعد ليعلن صمته احتراما للضحايا (هنا). وفي آخر مقال له (هنا) ردا على تعليق لكلندو بخصوص عدم تعاطف البعض مع ضحايا غزة كما تعاطفوا مع دماء الخرفان في عيد الأضحى، تساءل لماذا لزاما عليهم إثبات وطنيتهم بدعمهم لحماس أو لا يكون.
في نفس السياق، كتبت المدونة إمرأة غبية (هنا) بأنها "منذ بداية الحرب على غزّة وهي تبحث بداخلها عن مبرّر مقنع لمناصرة مواطني غزة، على الأقل من الناحية الإنسانية، إلا أنها وفي كل يوم يمرّ تزداد قناعة وأنها حرب سعت إليها حماس ومناصريها في الدّاخل وفي الخارج بكل غباء سياسي ونضالي" وبررت ذلك من خلال تحليلها لتصريحات لإسماعيل هنية وخلصت أخيرا للقول بأن ازدراء ديار الإسلام للعلم وإيمانهم بحرب الفرقان ومناصرة الجنود غير المرئية هي السبب في هزائمهم. والملاحظ أن إمرأة غبية لم ترد على التعاليق والتساؤلات العديدة التي وردت كرد فعل على مقالها واكتفت بتبادل تهاني العام الجديد مع المدون عاشور الناجي. أما آخر ما كتب حول الموضوع فهو رد المدون عمروش (هنا) على تدوينة آرتكلي وقد قال فيه:
"(...) ما يتبين من كلامها وكلامهم [يعني بعض من هاجم حماس وناصر إسرائيل] انهم يؤيدون النظرية السائدة بان الغرب ليس عالم الثروة والقوة فقط، بل هو ايضا عالم العلم والعقلانية والتسامح والاعتراف بالتعدد، فى الراي واحترام حقوق الانسان والديمقراطية، هو عالم الاعتراف بمبدا مساواة الفرص، والعدالة الاجتماعية! فهو افضل العوالم الموجودة على الارض، او التي وجدت فى الماضي او الحاضر اذ ان بقية العوالم الى الان لم تتفوق عليه من اية وجهة نظر لا من حيث الثروة والقوة ولا من حيث انجاز الديمقراطية والعدالة الاجتماعية! وتلك العوالم لن تُنجز تقدما الا بقدر ما سوف تقبل الاقتداء بالغرب وحضارته، لان اوضاعها المتردية تعود إلى تحكم ثقافات رجعية (السلفية، الدينية، ...)، يجدر بها التخلى عنها هذا هو الحل الوحيد بالنسبة لهم ﻗﻀﻲ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻭ جفت لاﻗﻼﻡ ﻭﻃﻮﻳﺖ الصحف (...)"
وواصل تحليله قائلا:
"(...) انهم [يعني بعض من هاجم حماس وناصر إسرائيل] مذبذون فهم لا يستقر لهم قرار لا ينتمون لهنا (محسوبون على الغربين في انتمائهم وطريقة عيشهم) ولا ينتمون لهنا (تخونهم ملامحهم ولكنتهم الممزوجة) فيشعرون بالضياع وكانهم مسلوبوا التاريخ، وكانهم يعيشون بوحدهم لا ينتمون الى امة او الى شعب او الى حضارة. هذا النمط من الشعور هو الذي يجعل منهم مغتربين ولا اقول غرباء (مصطلح اخر)، بتعبير ادق لديهم مايسمى القابلية للاستعمار، فكل من تنكر للمقاوم في بلده ونفى عنه صفة المقاوم للاحتلال ونعت كل مقاومة الشعبية بالارهاب لديه قابلية للاستعمار، المغزى هنا ليس تخوينا بالمعنى المجرد للكلمة وليس تسابق في الوطنية والانتماء والانسلاخ بقدر ماهو شعور بحيرة وجودية وشعور بالضياع لعدم الانتماء يشعرون به ويدفعهم للتخبط وعدم الثبات على راي محدد وما دليل ذلك الا تذبذب بعضهم في ردوده فمرة يتكلم ومرة سيسكت احتراما للضحايا ويرجع تارة اخرى للتحدث دون الشعور بالتناقض في القول والفعل (...)".
وبقطع النظر على مستوى الإختلاف العميق الذي وصل في أحيان كثيرة إلى حد السب والشتم بين من يدعون محاربتهم ل"لغباء" ومن "يتهمهم" بالخيانة، أريد توجيه بعض الأسئلة البريئة إلى الشق الأول داعيا إياهم للتنازل مرة واحدة على كبريائهم المفتعل ومجاراة "غبائي" المزمن (الله غالب، ما ينجمش ديني يكون حاجة أخرى غير الإسلام والحمد لله)، وذلك بإجابتي على أسئلتي الحائرة وأقول لهم بأن هروبكم إلى الأمام ورفضكم للحوار الهادئ لا يعمل إلا على إلصاق التهم التي تنفونها عن أنفسكم بكم أكثر فأكثر. هذه هي قائمة الأسئلة المرجو الرد عليها بدقة وشكرا مسبقا لسعة صدوركم التي يبدو أنها ضاقت ب"غبائنا":
أولا:
بعضكم يعترف بإلحاده وينتقد النظرة الدينية لكن خطابه لا يركز إلا على مهاجمة الإسلام ولم نره يوما ينتقد عقائد اليهود (نظرتهم للمرأة، عنصريتهم ضد الشعوب الأخرى، ولاءهم لليهودية فوق ولائهم لأوطانهم، ...) ولا المسيحية؟ لماذا تهاجمون الإسلام فقط دون غيره من الأديان؟
ثانيا:
المعروف أنكم بمختلف تياراتكم الفكرية تناضلون (أو على الأقل هذا ما تقولونه في أدبياتكم) من أجل المبادئ الكونية و الأساسية كالحرية والعدل والسلام والمساواة وقضايا المرأة وغيرها، فلماذا لم نسمع منكم نقدا واحد لتلمود اليهود وبروتوكولات حكماء بني صهيون؟ لماذا لم نسمع نقدا واحدا لمغامرات بوش في العراق وروسيا في الشيشان وجيورجيا (لم أذكر أفغانستان وجنوب لبنان والصومال وغيرها لكي لا تقولوا "الإرهاب الإسلامي والميليشيات الظلامية")؟
ثالثا:
المعروف أن اليسار بكل أطيافه يحكم الدول العربية (آخرها مستقل منذ نصف قرن على الأقل) تحت يافطات عديدة (مسلمون محافظون في السعودية ودول الخليج عموما مع بعض الفوارق، زعماء ثورة شعبية في مصر عبد الناصر وعراق صدام وسوريا الأسد العجوز، أنظمة علمانية متطرفة في تونس والمغرب، ...)، فهل بإمكانكم تعديد المكاسب التي حققتها هذه الدول غير الإستبداد والدكتاتورية ونكبة 1948 ونكسة 1967 والمجازر والمهازل التى تبعتها، خلال فترة زمنية كانت كافية لتصبح دول ككوريا الجنوبية وماليزيا والصين قوى عالمية اقتصاديا (رجاءا لا تقل لي الإسلام لأن الأنظمة الإسلامية لم تحكم فعليا سوى إيران وأفغانستان وجزئيا الصومال و"غزة" ثم إن الإسلام موجود في الصين وسنغافورة وماليزيا بالملايين)؟ لماذا حكمتم لنصف قرن ولم تصلوا لشيء؟
رابعا:
تتكلمون عن العلم ودوره في بناء البلدان وقيام الشعوب ولكننا لم نر يساريا واحدا يرشح فقط لجائزة نوبل (لا تقل لي نجيب محفوظ فتلك حكاية أخرى)، بل وشهدنا عشرات وزراء التعليم العلمانيين في العالم العربي ولكن بقيت جامعاتنا ومراكز بحثنا عقيمة رغم توفر المال والموارد البشرية فهل يرجع ذلك لتخلي هؤلاء على إيمانهم بأهمية العلم لما جلسوا على كرسي الوزارة أم ستقول لي بأنها "ظلامية" الإسلام التي غلفت العقول (الإسلام الذي بدأ بكلمة "اقرأ" ولم يبدأ بكلمة "حارب" أو حتى "صل")؟
خامسا:
آه، أسئلة كثيرة! لا بأس سأكتفي اليوم بهذا القدر على أمل أن تجدوا إجابة أخرى لقولها غير "أسئلة غبية لشخص غبي يدين بدين غبي في مجتمع كله غباء"! والله توشك كلمة "غباء" ومشتقاتها أن تقاضيكم أمام الأمم المتفرقة!
إقرأ المزيد...